|

حول الإعلام
والنهضة
بقلم:
محمد السيد - رئيس تحرير "حماسنـا"
10/26/
2008
(1)
أي حكومة ناجحة في العالم
تلجأ إلى سياسة التقارب مع المجتمع الذي تحكمه
، وتسعى إلى تصحيح المفاهيم لشعبهـا وترتقي
بالشباب على أساس أنهم المستقبل وتتعامل مع
الإعلام من منطلق أنه ( الصانع الأكبر للأفكار
ومهندس الديكور في المجتمع وأساس النهضة
الثقافية ) ، والحكومة الرائدة هي التي تختار
حلفائهـا ومناصريهـا على أساس الكفاءة - بمعني
- أنك تأتي بصفوة المجتمع والأكفاء وأصحاب
السمعة الطيبة ليكونوا بجانبك ويرتقوا بك إلى
المعالي ويحسنون من صورتك أمام الآخرين في
الداخل والخارج ، وأي حكومة صادقة تقوم بدارسة
الحالة المجتمعية بطريقة دقيقة لتتعرف على
"الدوافع والمنغصات" و"جوانب الإبداع من ناحية
والفشل من ناحية أخرى" وما السياق الذي يعيش
عليه الناس في كافة شئون الحياة "وتطرح هذه
الحكومة عدة اسئلة" .
- ما هي الفئات الأكثر تأثيراً في المجتمع ؟
- كيف أصبحوا أفضل
فئات المجتمع وما هي الوسائل التي اتبعوها ؟
- ما هي شكل العلاقة
بين هذه الفئة الناجحة والمجتمع ، وكيفية
الإستفادة منهم ؟
- كيف ننمي الانتماء
لدى المجتمع ونحميه من أي عوامل دخيلة من
الممكن أن تحدث بلبلة وفوضى ؟
إن قبول الآخر والإيمـان بأنه جزءاً من منظومة
التفاعل المجتمعي ومحوراً في سنة "التدافع بين
الناس" لهو خير وسيلةِ لبناء مجتمع متناسق
ومترابط يحمل بين طياته أهدافاً وغايات وطموحات لا يمكن تحقيقهـا إلا بشكل جماعي
واتفاق وتوافق ، إن سد الثغرات في المجتمع لا
يمكن أن يتم من خلال حكومة منفردة أو معارضة
منفردة أو حركات شعبية تعمل بذاتية مطلقة
ولدينا عدة أمثلة على ذلك ، فنجد في أوروبا
على سبيل المثال سيمفونية سياسية داخلية تعزفها
بعض الحكومات لتحقيق آمال شعوبها والارتقاء
بالمجتمع ، ففي هولندا وبرغم العداء
المتزايد للمسلمين يتم "تعيين وزيراً مسلماً" لأنه
الأكفأ بين أقرانه ، ونلاحظ في فرنسـا التي كانت
تقود الغزو العسكري على الشرق ومن بعده غزواً
ثقافياً عنيفاً تعين مسئولين في المستوى (1)
والمستوى (2) من المسلمين ومن أصولِ عربية وكل
هذا بهدف"دمج الأقلية المسلمة" وإشعارها
بالأمن - عكس ما يحدث لدينا تماماً،
ونجد أن نصف المنتخب الفرنسي لكرة القدم من المسلمين ،
وهناك حكومات أوروبية تستعين بالمسلمين
"المتدينين" في حل قضايا مجتمعية شديدة
الخطورة ، ونجد في إنجلترا إسلاميين وسطيين
ينتشرون في بعض الشوارع ليدعوا الناس
إلى الفضيلة والتراحم ، وها هي أمريكـا القوى
العظمى صاحبة أضخم حرب صليبية معاصرة ضد بعض
الدول الإسلامية ، تسمح لمنظمات إسلامية
بتأجير "باصات كبيرة" للترويج للإسلام في
مدينة شيكاغو ، وقد اعترفت
كافة حكومات أوروبا بلا استثناء بأن "المسلمين
الفاعلين" وإعلامهم الديني جزءاً لا يتجزأ من مشروع النهضة
والبناء داخل دولهم التى يعيشون فيهـا .. هذا
ما يحدث في أوروبا وأمريكا ، وعلى الناحية
الأخرى نجد أن
الإسلاميين والمتدينين العرب وإعلامهم وأفكارهم منبوذة من قبل
الكثير من الحكومات العربية .. ونجد التضييق
المباشر على "الدعاة المؤثرين" وحرمان مباشر
أو غير مباشر للإعلاميين المتدينين .. ويومياً
توافينا الأخبار عن "القبض على معدي برامج
ينتمون إلى الإخوان.. حرمان مذيعات من ارتداء
الحجاب في المحطات الحكومية .. منع إعلامي
إسلامي من السفر لحضور مؤتمر في أوروبا"
.... إلخ
إن أردنا مجتمعاً تنموياً ناجحاً فلابد من
إيجاد حالة من التناغم في هذا المجتمع الواحد
وصناعة بيئة متكاملة ينتقل فيهـا الشباب حسب
رغبته وإرادته بين عدة بدائل للتعرف على "ما يرضي نهمه
ورغبته الشخصية" بما يناسب قوانين البلد التى
يعيش فيهـا ومرجعيته التي يسير عليهـا ..
والظاهر في مجتمعنا المصري تحديداً أنه لا
يوجد به أي حالة من "التكامل بين أطر المجتمع
المختلفة والمتنوعة" ولا يوجد تنسيق واضح
بين أحزاب أو جماعات أو تجمعات أو أشخاص ، والسبب في ذلك
هو "افتقاد العدالة الإجتماعية" وعدم التفاهم
وانعدام الحوار بين المؤثرين في المجتمع ولا
يخفى على أحد أن أساس البلاء الذي نعيشه هو السماح
لفئات بعينهـا لتعمل بكامل الأداء والطاقة
المتوفرة لديهـا ودعمها بقوة ، بينما تحرم
فئـات أخرى من العمل بحرية والسعي لبناء ما
هدمته عادات وتقاليد أو أفكار فاسدة دخيلة على
المجتمع .. وأقصد بذلك الفئات المتدينة
الممنوعة من العمل بحرية والسعي للتأثير في
المجتمع سواء إعلامياً أو ثقافياً ..
والحكومات التى تضيق على الإعلامي الإسلامي
المؤثر لا تهتم كثيراً ولا
تتابع الدكاكين الفاسدة والمؤجرة على النايل سات والتى
تستهدف الشباب وتصنع بيئة غير البيئة التى
نعيش فيها لإحداث خلل وخلق حالة من البلبلة
الأخلاقية في المجتمع وليس لإثراء
التنوع كما يقولون، وكيف بالحكومة لا تهتم بفضائيات
جديدة حاصلة على توكيل حصري لنقل ثقافات دول
أخرى إلى قلب أوطاننا والترويج لمفاهيم معلبة
وتلميع شخصيات مبتورة الحكمة - وأحدى هذه الفضائيات
انطلقت مؤخراً وبدأت في أولى برامجها بعملية
ترويج صريح وجريء "لثقافة العري" مباشرة -
تقول للشباب ( أخلعوا ملابسكم) ولتكن المساكنة
والعلاقات الجنسية ديدنكم وطريقتكم المثلى في
القضاء على الكراهية والتشدد في المجتمع ..
وفضائيات أخرى تعلن التحدي للفضيلة وتروج
لثقافة الحيوانات من خلال بعض البرامج ، ولسان
حال القائمين عليها ( نحن نصنع مستقبل أطفالكم
) !!
(2)
مما لا شك فيه أن انتشار ثقافة التحلل من
الملابس وارتداء القليل من الملابس في بيئة
مثل البيئة المحافظة التي نعيش فيهـا لهو أشد
فتكاً بالشباب من أي سلاح آخر "فالإعلام أقل
تكلفة من سلاح الجو والمشاة وفرق الكوماندوز"
.. وهو قادر على صناعة الأفكار وتغيير
الانتماءات .. والشباب العربي "قليل الحيلة"
لا يجد عملاً مناسباً ويعيش حالة من البطالة
الحقيقية أو المقنعة ومستوى الدخل القليل يجبر
هؤلاء الشباب على "عدم الزواج" وخصوصاً أن
الأسر العربية تطلب "عريساً بمواصفات خاصة" ،
ونجد أن البيئة المحيطة بالشاب العربي هي أكثر
البيئات في العالم تنوعاً وتغيراً .. فيجد
أمامه إعلام يعج "بالمصطلحات الرنانة
والعبارات الطنانة" وأخبار سياسية تبرز مدى
الخلل السياسي الذي يعيشه العالم العربي
ومحطات فضائية منوعة تنقل لنا ثقافات وحضارات
معلبة مطلوب تقليدها على وجه السرعة ،
والمتابع يجد أطراً جديدة لهدم سلوكيات العفة
عند الشباب من خلال بعض محطات الفيديو كليب
التى لا تحمل أي قيم لبناء المجتمع أو تنمية
الانتماء وأيضاً هذه المحطات لا تدعم الجانب
العاطفي عند الشباب بل هي تنشر الميوعة
والانحلال بفعل فاعل ودون رادع ، فنجد على
سبيل المثال محطة من ضمن هذه المحطات تعرض
برنامجاً "لملك جمال الشباب وملكة جمال
الفتيات العرب" وأخرى تعرض برنامج متخصص في
اختيار الراقصات وأخرى تحكي عن كيفية تكوين
قصص حب "غريبة " تحمل شيئاً من المتعة و
الإثارة في آن واحد ، وعلى الجانب الآخر يفاجئ
الشباب بحالة بيئية مختلفة ، فيجدوا
"متدينين" ينتمون إلى تيارات مختلفة لا يظهر
لهما أيهمـا أصلح وأفضل ، فبعض هذه التيارات
يرفض متابعة الإعلام .. ونوع آخر يريد الضبط
أو التقنين ونوع ليس له رأي آخر ... إلخ ..
والشباب الراغب في الهداية والانتقال إلى بيئة
التدين - "حائر" - بين هذا المتشدد وذاك
المنفتح .. ورغبة منه في اقتحام عالم الروح
والالتزام بالشرع فإنه يلجأ مباشرة إلى المظهر
"اللحية والجلباب" ويربط نفسه ببيئة معاكسة
تماماً لما كان عليه ويعتبرها "الحضن التربوي
الإسلامي الجديد" الذي لا مناص عنه ولا بديل
غيره .. مما يخلق لدى هذا الشاب عداوة لكل ما
كان يراه سابقاً خارج وداخل الإعلام من كلمات
وتصرفات قد تجلب له بعض المعاصي والذنوب أو لا
تجلب !
(3)
ولا جدال أن هناك
عمليات ترويض لبعض الجماعات الإسلامية
المسالمة غير القادرة على مواجهة أي "غزو
ثقافي" أو نشر القيم الإسلامية بطريقة واضحة
.. وهذه التجمعات لا ترى أهمية للسياسة أو
الإعلام وهي غير قادرة على الإقتحام السياسي
أو "بناء محاضن تربوية للشباب ويتم منح هذه
التجمعات هوامش من الحرية داخل المساجد لجذب
بعض الشباب المقبل على التدين وحقنه في شريان
غير فاعل وغير مؤثر .. مع العمل بشكل واضح على
طمس أي موهبة في مهدهـا من قبل بعض الأجهزة
المعنية حتى لا تبرز وتظهر ومن ثم تنتشر ويصبح
لها شعبية وبالتالي تتسع بقعة التدين في
المجتمع ، كما حدث مع دعاة سلفيين
يظهرون اليوم عبر الفضائيات العربية .
والواقع يفيد بأن هناك
حالة فريدة من نوعهـا تتمثل في "دعاة جدد" -
منفتحين - قادرين على التعامل مع كافة الملفات
ومواجهة أي عمليات قرصنة ثقافية أو فكرية أو
دينية .. وقد اعتمد هؤلاء على "دائرة البلاغ
الواسعة" لتوصيل دعوتهم عبر الفضائيات بعدما
تم منعهم وحرمانهم من نشر الفضيلة وتوعية
الناس عبر بعض المساجد ، وقد كان لهذا المنع
نتائج عكسية تماماً ، إذ ساعدت التصرفات
الحمقاء لبعض أجهزة الأمن إلى انتشار هؤلاء
الدعاة عبر الفضائيات فوصلت دعوتهم إلى الآفاق
وساعدهم على ذلك التعاطف الكبير الذي أبداه
الكثير من الشباب .
والمتابع يرى أن التيار
الإسلامي المعتدل
حرم من العمل
المباشر وممارسة الأنشطة والأعمال العامة لجذب
الشباب وتأهيلهم .. بينما منحت الحرية لآخرين
، وقد تمت عملية حجب فاشلة لأصوات الدعاة
الإصلاحيين "المبدعين" الجدد "أمثال الأستاذ
عمرو خالد" وكانت الحجة الأساسية أنه يسعى لتجييش الشباب والترويج لنفسه والإخوان من أجل
حاجة ستحدث مستقبلاً ، بل واتهم عمرو خالد
مباشرة بأنه يسعى لتغيير عادات وتقاليد
المجتمع .. وكأن أكثر المجتمع يريد شىء غير
الإسلام !
وكل منصف يعلم جيداً أن
عمرو خالد ما ترك منبراً إلا وأعلن أهدافه
الصريحة وولاءه التام للإسلام وحبه لوطنه
وأمته ورغبته في التغيير بما يناسب مرجعية
الأمة ، وأن الدعوات التى تتردد بين الحين
والآخر في صحف حكومية صفراء بأنه "داعية
مودرن" يسعى للإختلاط بطبقات معينة هو محض
افتراء وتفلت إعلامي واتهامات مبالغ فيهـا كما
يردد مناصريه .. وأعداء مصر والأمة يرون أن
عمرو خالد وأقرانه يحدثون نقلة نوعية هائلة
ليس لها مثيل لتوعية المجتمع وإعادته إلى عصر
النهضة الإسلامية واستعادة المجد المفقود.
والحقيقة تظهر بأن
مجتمعاتنا النائمة في حاجة فعلية إلى نقلة
نوعية يفهم من خلالهـا "كيفية التنمية وخلق
الفرص" عن
طريق العاطفة الدينية المخدرة
والتي
لن تخرج إلى النور إلا من خلال "أطباء من قلب
هذا المجتمع" يعرفون سر هذا الداء والمصل
القاتل لفيروس الخمول في المجتمع ومواجهة
المنغصات والأفكار الهدامة.. والنهضة لن تأتي
إلا من خلال أناس مقبولون بين الناس يسعون
لتحريك الركود الثقافي وتعليم المجتمع كيفية
الصمود أمام الأزمات والعمل على الإصلاح ودرأ
ما هو فاسد .
وكل
الأبحاث الإجتماعية المعاصرة .. أثبتت بأن
النهضة الشاملة لن تتحقق إلا بمنح الفرص
للجميع بشكل متساوي وتسهيل الطريق أمام
العلماء والأساتذة ومنحهم الأدوات المتوافرة
ليشكلوا هوية المجتمع من جديد بشكل سليم يناسب
مرجعية الأمة ، والنهضة الدينية لها خصائصها
ومفرداتها ولن تتحقق إلا من خلال منظومة كاملة
من الدعاة المعاصرين العاملين أمثال "عمرو
خالد" والذي يردد زملاءه علناً بأنه كان عضواً
مؤثراً في الإخوان وقد تربى بين صفوفهم داخل
الجامعة .. ، ثم ما لبث
واشتهر في مصر فانفصل عنهم تنظيمياً حفاظاً
على دعوته ونظراً أيضاً للتهديدات التي تلاحق
كل من ينتمي للإخوان ، وانفرد عمرو خالد
بذاتيته وظل يمارس مهاراته الفردية منفرداً
وبكاريزما جديدة في عالم الدعاة المعاصرين
رزقه الله إياها .. حتى
ضاقت به الدولة فضايقته بشتى السبل بعدما علمت
أنه مرتبط بعلاقة طيبة مع أحبابه وزملائه
وإخوانه المنتمين والمقربين من الجماعة الأشهر
في العالم "الإخوان المسلمين" ، ولأن هذه
التهديدات تجعل كل المنتمين إلى الإخوان
يعيشون في توجس وانتظار "للاعتقال والملاحقة "
.. فإننا نجد الكثير من المبدعين يفضلون
الابتعاد المؤقت أو طويل الأجل عن المقاربة
التنظيمية أو تحويلهم إلى مفردة أو جزءاً من
المشروع الإعلامي للإخوان .. وهذا من وجهة
نظري هو التصرف الصحيح .
إن الأستاذ "عمرو خالد" ونجاحه في بناء دائرة
كبيرة في المجتمع تحمل هم "الوطن والدين" لا
يوازيه أنموذجاً آخر ، وها نحن نجده يبدع
ويبني ويتعاون مع هذا وذاك ويبستم برغم الحرب
التى تشن ضده والقذائف التي تأتيه من كل جانب
، وهذا النموذج "الناجح" يجب أن ينتشر ويعمم
بجانب أقرانه من أصحاب الأفكار والابتكارات
الأخرى ، والفريد في سياسة الأستاذ عمرو خالد
"عدله وقسطه في التعامل مع الناس" إذ لم ينسى
المسيحيين في أعيادهم ولا ينتقص من حقوقهم في
الحديث والحوار وسعيه الدائم لنشر ثقافة
"المسامحة والحب بين الناس" .. لذلك علينـا أن
ندرك أن البناء لن يأتي إلا من خلال المبدعين
وخلق بيئة صحية مواتية لهم لتنفيذ خططهم التى
يرغبون من خلالهـا لنشر الوعي وحفظ الفضيلة في
المجتمع .. وعلى الحكومات التى تريد إسلاماً
وتديناً يضمن لها الإستمرار أن تعي جيداً أنها
لن تستمر إلا بمنح الحرية الكاملة للشعوب كي
تختار ما يصلح لهـا وما تريده ، أو تتبع سياسة
أكثر ذكاءاً بدمج المؤثرين في المجتمع وسحب
البساط من تحت أقدام الفاسدين ومحبي السلطة .
|