|

مذيعون شباب في كباريهات تلفزيونية:
بين كوميديا الإعجاب
المطلق... وصدمة الشتائم المفاجئة!
محمد
منصور-
القدس
العربي - حماسنا
-------------
استغربت المشهد... فتوقف جهاز التحكم عند تلك المحطة قليلاً...
-
كان المذيع شاباً لم يبلغ الثلاثين من العمر، يتحدث علي الهاتف
باللهجة
اللبنانية وبملل، مع فتاة مغربية لم أميز مما تقوله لهجتها الغريبة
سوي نبرة الشكوي
العاطفية... وما إن أغلقت الخط حتي تنهد المذيع الصعداء...
متأففاً:
"أوف...
صارلها
أكثر من ساعة ع الخط"
ثم اعتذر للمشاهدين الذين يرسلون له رسائل
S.M.S
وتابع يبث
لهم الأغنيات الصوتية، فيما هو يتحرك في أستوديو صغير جداً، أشبه
بغرفة كونترول
ملحقة بأستوديو إذاعي لا نراه، ليس فيها سوي جهاز كومبيوتر تبث منه
الأغاني،
وشاشتان لاستقبال رسائل الشات والتحكم بها علي الشاشة!
-
وفجأة أعلن هذا المذيع
واسمه (هادي) أنه قد نحج في كل الاختبارات... ويبدو أنه يتحدث عن
اختبارات جامعية
ربما... ولهذا قرر أن يهدي نفسه أغنية ذات طابع احتفالي وكلمات
تهنئة... وطلب من
المشاهدين أن يهنؤونه كذلك... لأنه لم يفز أحداً منهم في امتحان من
قبل كما قال،
إلا وهنأه علي نجاحه!
- وفي غمرة فرحته وتمايله واعتداده بنفسه،
اتصل به أحد
المشاهدين الذي كان يتحدث اللهجة الخليجية، وعلي الأرجح السعودية،
وقال له: " يا
أخي ما عندهم واحدة وجهها حلو يحطوها لنا بدلا عنك؟! يا أخي ايش
السالفة؟!" شعر
المذيع بالصدمة من هذه الشتيمة المفاجئة في زحمة كوميديا الإعجاب
المطلق التي كانت
ترتسم في الرسائل والاتصالات... إلا أنه تمالك نفسه وقال بنبرة عتب
خارجية جداً
ولبنانية جداً...: (ولو هي كلمة المبروك؟!) ثم كبس زراً وقال:
"آسفين يبدو رح ينقطع
الخط... وهي انقطع"! لكن الشتيمة التي تعرض لها لم تنته عند حد قطع
الخط بسرعة
ونباهة مطلقتين، فقد جاءته بعض الرسائل المؤازرة من المشاهدين...
فاسترد عدوانيته
وثقته اللامتناهية بنفسه، وعاد ليرد الشتيمة بعشرة أمثالها: "اسمع
يا (....) أنا
خليتك تطلع ع الهوا منشان اتضحك عليك"!!
لم يكن هذا مشهداً كوميدياً من دراما
اللوحات الانتقادية في سلسلة (مرايا) لياسر العظمة، أو (طاش ما
طاش) لسدحان
والقصبي، أو مسلسل (بقعة ضوء) وسواها من كوميديا اللوحات في
المسلسلات التي يعرفها
المشاهد العربي... بل كان مقطعاً من بث قناة تبث في هذا الفضاء
التلفزيوني العربي البائس...
أكثر من ذلك قال هادي بعد فترة من الوقت، إنه مضطر
أن يترك مشاهديه لأنه يريد أن يوصل أحد أصدقائه... ثم خرج، وتابعت
القناة بثها
بأغنية مصورة هذه المرة للفنان محمد عبده في وصلة من إحدي حفلاته!
- تركت (هادي)
ليظهر لي في قناة آخرى مذيع آخر من نفس الفئة العمرية اسمه
(شادي)...
وكان شادي يرد كذلك علي رسائل المشاهدين، حين وصلته رسالة من إحدي
المعجبات... تقول له إنه أجمل وأحلي وأهضم شاب في العالم... فرد
السيد شادي بكل
تواضع: "والله بعرف هالشي... يعني ما جبتي شي جديد" !! وكنت
أتوقع أنه يمزح... وأنه
سيعتذر عن هذا الغرور المريض... لولا أنه تابعه ردوده التافهة بلا
أي تنويه
بإمكانية أن يكون رده مزاحاً او شيئاً من هذا القبيل!!
تذكرت وأنا أتابع هذه
النماذج التلفزيونية
كيف تغيرت صورة المذيع العربي علي يد هؤلاء من النقيض إلي
النقيض... لم يعد المذيع صاحب خبرة ومعرفة، ولا رصانة وأدب
ودأب... ولا حامل قضية
مهما كان حجم هذه القضية وانتماؤها وسياقها... صار - في هكذا
محطات- مجرد شاب غر
يتلقي هواتف وطلبات مشاهدين مراهقين مثله، لكنه يشعر بنجومية
ووسامة فائقة، تخوله
للقول لإحدي المتصلات: (مين ما بدي بيعطيني بوسة ما بدي جميلتك)!!
وتخوله للرقص
ربما علي أنغام الأغنيات التي يقدمها لمستمعيه الساهرين معه،
والذين يبادلونه الود
والصداقة حيناً، وقلة الاحترام والأدب والشتيمة حيناً آخر!
هذا البث الفضائي العربي
الرخيص...
الرخيص شكلا ومضموناً... معني ومبني... حقيقة ومجازاً... تري هل
ستطاله
قيود وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي التي أقرها وزراء الإعلام
العرب مؤخراً؟! هل
سيطارده مقص الرقيب الرسمي، هل ستهدده وزارات الإعلام بإيقاف البث،
وسحب الرخصة،
وتعطيل الصدور... أم أنهم سيتذرعون بأنهم لا يلتفتون لمثل هذه
المحطات؟!!
- أسوأ
ما في الأمر أن المعيار المهني ضائع
في الترخيص لهذه المحطات... وفي إفساح المجال
لها للتواصل مع مشاهديها... وأن ما تقدمه ليس إلا
تكريساً للمعني الحقيقي لوقت
الفراغ...
الفراغ الذي ينخر رؤوس القائمين عليها، والعاملين فيها، والمتابعين
لها... الفراغ الذي يبدو عابراً حتي بين سطور هجائها كظاهرة ...
ونحن نتوقف عندها
لضرورات إعلامية ونقدية ليس إلا!
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|