عندما يزيد الشيء عن حده ينقلب بالضرورة إلى ضده وهي قاعدة بديهية
ومنطقية في آن واحد ولست هنا بصدد اثبات حقيقة يعرفها الجميع ، لكن
شرح الواضحات ليس من الفاضحات دائماً ، أقول هذا بمناسبة أن حظي
العاثر أوقعني في شرك مشاهدة برنامج تليفزيوني يستند إلى تقنية
الفرد "وان مان شو" التي تعتمد في الأساس على كاريزما المذيع
بالدرجة الأولى وقدرته على جذب انتباه المشاهد ، غير أن هذا
البرنامج لا يعتمد علي كاريزما المذيع وانما علي جمال المذيعه مع
الفارق ، لم أكن مهتماًُ لا بالبرنامج ولا بالمذيعة لكن ملامح
المذيعة التي بدا عليها التأثر استوقفتني ربما رغماً عني ، وجذبني
الفضول لأعرف ما الذي يجعل هذه المذيعة تتأثر هكذا ، لقد كانت
قسمات وجهها تنقبض بمرونه بالغة ، وعندما ركزت فيما تقوله المذيعة
وجدتها تتحدث عن سمعة الوسط الفني معربة عن استيائها البالغ من
اقتران السمعة السيئة بالوسط الفني ، والتي لم تعرفها المذيعة
شخصيا الا عندما قررت أن تجرب حظها في التمثيل إلى جانب عملها
الأساسي كمذيعة ، مؤكدة أن الوسط الفني يغلب عليه الاعتدال
والاتزان حتى أن المخرجين يوقفون التصوير في "البلاتوهات" اذا نودي
للصلاة! ياسلام ..فيما ينصرف معظم العاملين إلى الصلاة !!!
ولم
يتوقف الأمر عند هذا الحد
وانما استعرضت المذيعة رأي الشارع المصري عبر تحقيقاً تليفزيونياً
جاء متناقضا تماماً مع المحاضرة الطويلة التي افتتحت بها برنامجها
حيث أجمعت الآراء بلا استثناء على أن الوسط الفني مستنقع
للرذيلة وأن الجمهور الذي يصطف بالآلاف لمشاهده فيلم سينمائي
ويتصارع لمصافحة الممثلين يؤمن بمقولة "تدفأ
بالنار ولا تخالطها"
-
وكانت محصلة الاجابات كالآتي
:
المذيعة :
ايه رأيك في سمعة الوسط الفني؟ رجل الشارع
: سمعته
"وحشة"
– مش كويس – مش نضيف – بنسمع عنه بلاوي – نصه سكرانين والنص التاني
بيشاور عقله – كله فساد أعوذ بالله
المذيعة :
تقبل ان مراتك أو اختك تشتغل في الوسط الفني ؟ رجل الشارع
: لأ طبعاً دة أنا كنت أدبحها – لا مستحيل ياست هانم دول ناس نتفرج
عليهم بس ..نكون منهم لأ – حرام ده
الناس ياكلوا وشي ده انا أموت نفسي أحسن – لأ طبعا مش للدرجه دي
..دي حتي تبقي فضيحة
وبعد
انتهاء التحقيق التليفزيوني الذي جاء في النهاية ليعكس ثقافة
وذهنية المواطن المصري البسيط الملتزم بدينه وعاداته وتقاليده ،
استمرت المذيعة في مهاجمة هذا الانطباع المترسخ في أذهان المواطنين
حول الوسط الفني الذي اعتبرته مثل أي وسط آخر بل وحاولت اقناع
المشاهدين أن عدد
الاتقياء والملتزمين في الوسط الفني
أضعاف أضعاف الاوساط الأخرى
، وأن مشاهد غرف النوم أو الخمور أو حتى القبلات والعري تأتي فقط
لخدمة السياق الدرامي ، ولا أدري لماذا استعادت ذاكرتي مشهد الممثل
الكوميدي محمد هنيدي في فيلم "جاءنا البيان التالي " عندما سأل
ممثلة عن الضرورة الدرامية التي تحتم عليها تقبيل كمساري وسائق
وركاب الاتوبيس واحدا تلو الآخر في فيلمها الأخير!
واضطرت المذيعة للاستعانه في هذا السياق بنقيب السينمائيين
ممدوح الليثي، الذي أكد
أن الوسط الفني كله طهر وعفاف
ويحفل بأولياء الله الصالحين
!!!
السؤال المهم هنا
: هل يعتقد ممدوح الليثي أو المذيعة أو حتى فضائيات العالم بأسره
ان باستطاعتهم تغيير ثقافة المصريين وتبديل نظرتهم عن الوسط الفني
والتي جاءت نتيجة لتاريخ طويل يمتد لمائة عام من الفضائح وقضايا
الآداب والمخدرات التي ارتبطت بهذا الوسط؟
في
تسعينيات القرن الماضيوابان فترة المد الاسلامي ونشاط الجماعات الاسلامية قام وحيد
حامد بتأليف مسلسل يحمل اسم "العائلة" بهدف تشويه صورة الاسلاميين
والملتزمين ، فكان خط المسلسل العام "المبالغة الفاقعة" حتى أن
الحوار بين الممثلين كان يتضمن عبارات من قبيل " هل ذهبت إلى
المسجد اليوم لمتابعة الدروس " فيأتي الرد " كلا البته لم أذهب بعد
فقد غفوت قليلا ..لقد كنت محتاجا للراحة فلجأت إلى نوم القيلولة" ،
أما التكشيره فلا تفارقهم ، والجلاليب القصيرة لا تبرح جسدهم ،
يرفضون كل شيء بدعوى أنه حرام حتى أن المسلسل أكد أن الجماعات
الاسلامية تحرم أكل الخيار ! ويمكن القياس على ذلك في تحريم المحشي
أيضا .!!
- وكان
طبيعيا أن يفشل المسلسل فشلا ذريعاً
ليس لأن حواره مهلهلا وركيكا فقط ولكن لأن الناس ..كل الناس كانت
تتعامل مع بعض المنتسبين للجماعات الاسلامية سواء الدعوية أو حتى
الراديكالية ولم يكن أحدا منهم يتحدث الفصحي، وانما يتحدثون
بالعامية المصرية القحة ، يأكلون مثل باقي الناس ويتزوجون مثلهم
ويتنزهون ويفرحون ويعيشون تماما مثل باقي المجتمع .. لقد تجاهل
المسلسل أن النماذج التي يحاول تشويها جزء من نسيج المجتمع المصري
الذي لن يصدق أبدا ما يراه علي التليفزيون ويكذب واقعه اليومي الذي
يعيشه ويلمسه ..لقد وقع المسلسل في فخ المبالغة
- وبعد
فشل المسلسل تعاون وحيد حامد أيضا مع عادل امام
في فيلمه "الارهابي" الذي جاء بنفس الحوار غير المنطقي بالفصحي ،
غير انه كان يتضمن المغارات التي يعيش فيها اعضاء الجماعات ولا
ادرى منذ متى يعيش أحد في مغارات وكهوف؟ ، وعندما حاول حامد
تقديم المعادل الموضوعي والبديل لشخصية الارهابي لم يجد سوى
نموذج الأسرة المتحررة التي تعاقر الخمر وتتحرك بشكل غرائزي يعتمد
على المتعة ، ..
- وفشل
الفيلم مجددا
لكن يبدو أن البعض ما زال يرفض الاعتراف بحقيقة مفادها أن الشعب
المصري متدين بطبعة وأن وسائل الاعلام اذا بالغت في تحدى ثقافتة
فإنها ستنتقل من فشل إلى آخر في دوامة لن تنتهي
-------------------------------
* صحفي مصري مقيم في الكويت