|
برامج تلميع النجوم وتسطيح العقول
د. عماد عبد
الرازق - ناقد سينمائي
القدس العربي
- حماسنا
-------

جديد التليفزيون المصري هذا الرمضان
برنامج اسمه المسلسلاتي يستضيف
ممثلين وممثلات بعضهم قد لا تكونون قد سمعتم بهم من قبل ومع ذلك
تخلع مقدمة
البرنامج المذيعة التي تفوقت علي نفسها في التفاهة عليهم جميعا صفة
النجوم
والنجمات، ملحقة بما لا حصر له من النعوت المستهلكة كالفنان
الرائع، والمحبوب،
ونجمة الجماهير والنجمة الكبيرة والنجم الجميل الي آخره.
يتلقي البرنامج مكالمات
هاتفية من المشاهدين،
ولا
نعلم ابدا سبب المكالمة،
لأن المذيعة تبادر المشاهد
بأسئلة من نوع ايوه يا فلان الفلاني انت طالب علشان تبدي إعجابك
بالبرنامج؟ أو إيه
المسلسل اللي بيعجبك أكتر من غيره؟ انت طبعا بتتفرج علي البرنامج
بتاعنا
...
يارب يكون
عجبك؟ ياريت تتفرج علينا دايما ...
هذا ما أسميه بلطجة عاطفية ، أن تملي علي
المشاهدين أجوبة في شكل اسئلة، أو اسئلة تحمل في متنها الإجابة
التي لا مفر منه...
وماذا يمكن لأي شخص أن يقول إذا ما فاجأته بسؤال من نوع إيه رأيك
في الدور الرائع
اللي عاملاه الفنانة الكبيرة الرائعة الهام شاهين في المسلسل
الجميل بتاع السنة دي؟
علي هذا المنوال تنتزع المذيعة شهادات الجودة والتفوق والروعة
لضيوفها نجوما كانوا
أو حتي ممثلين مغمورين، ولأدوارهم ومسلسلاتهم واخيرا وليس اخرا
لبرنامجها الجميل
القوي القوي..
والحق
يقال إن المشاهدين
ليسوا بحاجة اصلا إلي هذا النوع من
الابتزاز، لأنهم اصلا من نوعية شائعة ومنتشرة اسمها
جاهزة
الابتزاز
(علي طريقة
المنازل سابقة التجهيز)، أو لنقل إن لديهم قابلية للابتزاز (مثل
الشعوب التي تتمتع
بقابلية للاستعمار) فمعظم هؤلاء المتصلين يتصلون لمجرد الاتصال،
ولا هدف لهم سوي
سماع صوتهم في التليفزيون وهم يشكرون المذيعة ويبدون إعجابهم
بالضيف وبالبرنامج
وبالمسلسل وبالفضائية المصرية و كناة النيل للدراما . وبعضهم تشتم
من رائحة الكلام
المصفوف، أنهم من أقارب أو اصدقاء المذيعة، أو حتي من اصحاب النجم.
مثل ابنة الممثل
احمد راتب التي اتصلت لتتحدث الي باباها وتقول رأيها في أدواره
العظيمة. (هل رأيتم
تنطعا أرخص من هذا؟) وتلاحظ أيضا ان اللغة المستخدمة في هذه
المكالمات تتكون من
مفردات مستهلكة ومتداولة علي ألسنة المذيعين والمذيعات أنفسهم، ومن
قبلهم الممثلين
والممثلات. مفردات من قبيل الفنان فلان الفلاني عامل شغل حلو قوي
السنة دي . أو
الدور اللي عملته ده معلم قوي مع الناس وكلها عبارات مبهمة لا
دلالة لها سوي انها
وسيلة يخفي الناطقون بها جهلهم، ويبدون كمن له وجهة نظر أو رأي
حقيقي، وهي لا هذا
ولا ذاك، لأنها لا تمثل احكاما نقدية ولا أحكاما فنية ولا أي شئ
بالمرة ولا حتي
تعكس ذائقة سليمة، لأنها تساوي بين جميع الأعمال والفنانين وتغذق
علي الجميع ألقاب
الروعة والتفوق والجمال. إنها مجرد رطانة تلوكها الألسنة كل يوم في
تقليد ببغائي
أعمي.
وأنا
أزعم أن مثل هذه البرامج مسؤولة
مسؤولية مباشرة عن
انحطاط الذوق الفني
وتبلد الحواس النقدية لدي المشاهدين بل إنها تساهم بدرجة كبيرة في
إصابتهم بالبله
والعته وغيرهم من الدرجات المتفاوتة من التخلف العقلي او ما يطلق
عليه
Dumping down
اي
تسطيح عقول المشاهدين وتحويلهم الي بلهاء.
وهذه عينة من ما شاهدته قبل ايام:
المذيعة تطرح إجابة في شكل سؤال:
كلنا عرفنا الفنان الكبير احمد راتب (جملة
غير مكتملة).. في البداية كانت الشخصيات الكوميدية لكن بعد كده جت
شخصيات الشر قوية
جدا جدا ومعلمة جدا مع الناس. ليه تفتكر ليه كده ليه؟
متصل يقول ردا علي سؤال
يحمل في بطنه الاجابة:
مشاهد:
جميع الفنانين نجوم ورائعين وبيجننو وجميع
المسلسلات رائعة وكلهم عاملين شغل كويس. بالذات السنة دي. (يعني
السنة اللي فاتت
ماكانوش عاملين شغل كويس قوي؟)
مشاهدة :
كناة النيل للدراما احسن كناة بتفرج
عليها اربعة وعشرين ساعة. انا مش عايزة اقولك ايه احسن مسلسل لأن
كلهم حلوين
ومسلسلات قوية جدا جدا. وانتو كلوكو عاملين شغل حلو قوي قوي. ويارب
يا ربنا يخليكوم
لينا يارب وتمتعونا كده كل سنة.
المذيعة: وايه رايك في البرنامج
المشاهد:
اه
البرنامج حلو قوي وانا باشكر كل الفنانين الكبار لأنهم عاملين شغل
كبير قوي
قوي.
في حلقة أخري استضافت المذيعة واحدة قالت إنها ناقدة وكاتبة صحافية
(يعني
صحافية. هو فيه صحافية مش كاتبة؟)
سألتها المذيعة واحدا من تلك الاسئلة البلهاء
التي لا محل لها من الاعراب
!!
فأجابت الكاتبة الصحافية أنها لن تحكم علي اي مسلسل لأن
احنا لسه في 11 رمضان لكن حاشير لكتابات الزملاء الصحافيين،
واحد منهم كتب يقول:
مسلسلات الانعاش لأن تقريبا كل مسلسل فيه حد بيضرب بالرصاص ويدخلوه
غرفة
الانعاش، وانا بصراحة شايفة ان دي حاجة عادية لأن المسلسل 30 حلقة
او 33 حلقة
وطبعا بيعرض حياة كاملة واي حياة فيها ناس بتموت وناس بتسافر وناس
بتتجوز وناس
بتخلف (وطبعا ناس بتجنن، وناس بتصاب بالعته والبله، وناس بتموت من
الجوع وناس
بتتعذب وناس بتتنفخ وناس بتتولد) يعني كله علي كله. وسمك لبن تمر
هندي. واهي كوسة
علي بامية علي قرع استمبولي (مع الاعتذار لأحمد فؤاد نجم).
أقسم بالله العظيم
(وأحلف
بسماها وبترابها، علي رأي عبد الحليم حافظ)
مثل هذه البرامج إهدار للمال
العام ووقت الجماهير واحتقار لذكائها وإهدار للطاقة الكهربائية
التي يمكن الاستفادة
منها في توصيل المياه النظيفة الي آلاف المنازل والقري التي لا
تزال محرومة منها في
مصر المحروسة التي تعيش أزهي عصور الديمقراطية بأمارة سجن
الصحافيين وتعذيب
المواطنين وإلقائهم من نوافذ منازلهم او سحلهم في الشوارع. هل
يشاهد وزير
التليفزيونات هذه البرامج؟ أم أنه يشاهد قناة الجزيرة ؟ ولعله
يتابع القنوات
المنافسة حتي يتعلم كيف تدار التليفزيونات؟
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|