|

سامحوني مكنش قصدي
أغني
محيط ـ عادل عبد الرحيم
لم
يكن حلم حياتي في يوم من الأيام أن أصبح "مطرب" ، فأنا من أشد
المتحيزين لمبدأ رحم الله امرئ عرف قدر صوته.. فالغناء في مخيلتي
هو.. غناء بكل ما تحمله الكلمة من دلالات راقية، متناغمة، جذابة،
ممتعة، هيام وشجن وعذوبة.. كل ذلك كان يتبادر إلى ذهني حين أفكر في
التجربة الغنائية.. لكن ومن كل أسف فرضت علي التجارب التي لا أجيد
التعلم منها تجربة مريرة حين أرغمت على حضور حفل أقامه صديق فتعرضت
أذناي، التي لا أزعم أنها موسيقية خالصة، لاعتداء غاشم على أيدي
آلة تخريب الذوق الفني التي يسمونها "دي جي" ، وأروي لكم فيما يأتي
تفاصيل الجريمة الشنعاء التي تعرضت لها .
مناخوليا دي جي
شاب فارع الطول "ضارب شعره جيل".. هو أقرب إلى من يطلقون عليهم هذه
الأيام "الشباب الفنكي" يتمايل يمينا ويسارا
في وصلة رقص غير مريحة بالمرة يسيطر على آلة الـ "دي جي" ويتفنن في
تقليب الأغنيات، ومن سوء الحظ أن أذناي تملك قدرة على التقاط
الأصوات تفوق أطباق الفضائيات العملاقة وهو ما ضاعف من حجم
المأساة.
فبمجرد انطلاق الموسيقى المزعجة التي تشبه "تخبيط النحاس" لم أدر
سوى وأنا أسمع هذه الكلمات "الهوكة في
الأكاكة.. والأوك في العكوك.. إهدا وخليك معايا ما تروحش
بعيد تعك، ها تعمل مخ مخ هاقول لك ياللا بخ ، ها تعمل بور بور
استحمل وانت حر، أنا واد في الحب مجرم وباخش قلوب كتير وفي الغرام
قضية وفي البنات خطير، وعشان خاطر عيونك اخش في سين وجيم".. المهم
حاولت العض على نواجزي وقلت استحمل أهي سخافة وتعدي.. لكن المسألة
يا حضرات لم تتجاوز ثوان حتى ترامت على مسامعي التي ستذهب بي إلى
الجحيم سخافة أنكت منها، فكانت كلمات ما يحاولون أن يقنعوننا بها
أنها أغنية تقول.. "أكل العسل حلو بس النحل بيقرص ، شرب الحشيش
مزاجه عالي والراجل اللي هاييجي ويكرس، هاو هاو هاو، ينفع في شتا
أوصيف هو إيه أحمر أخضر أصفر".. وفي الآخر اكتشفت انه بيغني للعنب
العنب العنب ، لكنني لم أفهم السبب الذي دعا صاحب هذه الطقطوقة
الصاخبة لكي يقول "شخللته ولعته لبسته وقلعته".
والمدهش أن احد الحاضرين تبرع ليخبرني أن صاحب هذه الأغنية
اسمه "بعرور" وعلى فكرة مكسرة
الدنيا، وهنا ذهبت أسباب دهشتي وحيرتي طالما واحد اسمه كدة
فلازم طبعا يقول كده ، وطبعا يا حضرات انتم مالكمش ذنب إني أكرر
على مسامعكم تلك الافتكاسات المزرية ذات اللون الفحلقي والزقزقي ..
لكن سأطلب منكم أن تتحملوني في محنتي كما تحملتهم أنا في مؤامراتهم
لتخريب أذني التي لا أزعم أنها موسيقاتية راقية للدرجة التي تتيح
لي سماع الست منيرة المهدية أو ألمظ أو الشيخ عبده الحامولي، فأنا
حدودي لا تتجاوز عبد الوهاب وحليم والأطرش.
وكانت الأغنية التالية قمة في الفجاجة والأنعرة حيث غنى العاشق
الولهان لمحبوبته ذات الصون والعفاف ليدلل على ثقته في حبه لها
قائلا "علي الحرام من ديني .. انت اللي
بتحبيني" وطبعا لا ينسى مطرب المقشات هذا أن يختم وصلته
باللازمة الشعبولاتية المشهورة وإييييييه..
المهم يا حضرات ، تحاملت على مضض حتى أعرف نهاية لهذه المهزلة
المخجلة فكان من نصيب أذناي هلوسة أخرى تقول كلماتها
" أنا بحب الحمار.. بجد مش هزار "
طيب يا سيدي احنا مالنا بتحب الحمار ولا تكرهه دا شيء يخصك انت
والحمار.
وكانت قمة المهازل في مرثية "خلاص هاطنشك وان شفتك هاقلشك"
فكلماتها لا تستطيع أن تواصل سماعها للنهاية من شدة ما بها من
تسكيع وتلطيش لا تعرف منطقا يحكم نهايته .
"عيلة واطية ونصابة"
المهم نرجع لحفلة الأزمة حيث كانت الأغنية اللي بعد كدة تتضمن شتما
علنيا لم تحمد عقباه حيث يغنى الحليوة حمادة هلال " آه ياما آه وآه
يابا دي عيلة واطية ونصابة " وهنا حل العقاب الذي يستحقه من أقام
هذا الحفل فالذي حدث أن شابا متخالع الأجزاء لا تعرف أعلاه من
سافله ارتفعت درجة إحساسه بالانسجام مع الأغنية وطقت الدماء
الهلالية في نافوخه لدرجة أنه راح يستخدم أصابعه في الإشارة على
أنغام "دي عيلة واطية ونصابة" ومن أجل سوء حظه أن أحد
الأهالي
هو الآخر "ضربت المسألة معاه والدم كاد أن ينفجر من بين أوصاله"
واعتبر أن الشاب الراقص يقصد من إشارته بيده الإساءة لهم فما كان
من المعازيم سوى أن تبادلا الضرب والإهانات وكاد العروسان يفقدا
ارتباطهما لولا تدخل بعض من بقي في رؤوسهم شعاع عقل .
حكاية الكراكاشانجي"
واعترف لكم بأنني أحيانا كان يطيب لي أن "اتروشن" غنائيا فكنت أحب
أن أدندن مع عدوية إلى أن صدمني حين غنى عبثيته الشهيرة
"كراكاشانجي ذبح كبشه، عكشه نكشه فركش وسبع لحاليح استلحلحناهم من
عند المستلحلحين، تقدر ياملحلح يا مستلحلح تستلحلح لنا سبع لحاليح
زي ما استلحلحناهم من عند المستلحلحين" ولا أخفي عليكم أنني فزت في
مسابقة حفظ هذه الأغنية ولهفت ساعتها جايزة قيمتها "نص جنيه" من
زملائي الذين تحدوا قدرتي على ترديده..
والمعلوم طبعا أن عدوية منذ أنت كان في عز شبابه وحتى شاب شعره لم
يعتمد حتى الآن كمطرب في الإذاعة والتليفزيون لكن المصيبة إن عشاق
الهلوثة بتوع اليومين دول حصلوا عليها إزاي ما تعرفش؟
والسؤال الذي أحار في البحث عن إجابته لمصلحة من
يسمح بتشويه حضارتنا الفنية إلى حد
الإسفاف هذا، وأين نقيب المهم الموسيقية
الملحن الشهير حسن أبو السعود من هذا الإسفاف الفني المخجل ، بل
وأين شرطة المصنفات الفنية ، وأرجو ألا يتسرع أحد في تبرير تلك
الفوضى الغنائية بأنها تعكس ريتم الحياة
السريع لدرجة لهث الأنفاس فأبدا ليس
هذا مبرر مقبول ، ثم من الذي يسمح لهذه الملوثات أن تفسد
بقايا ما كان يعرف بالذوق العام ولا حتى الخاص وهل سيترك الحبل على
الغارب أمام تلك النزوات حتى نفاجأ بقصة مشهد جنسي في شكل أغنية
كتلك التي تعرف بـ "حط النقط على الحروف" أوتلك التي كانت تغني
للحصان وحدث أمام المشاهدين ما لا تحمد عقباه؟ّ!!
وإذا كانت وسائل الإعلام الرسمية نفسها تساهم في نشر هذه الوضاعات
الصاخبة فعلى من يقع اللوم إذا ما لعب الشيطان برأس أحد مثلي وتجرأ
وخرج عليكم بأغنية بالشكل ده:
العفشة آفشة سيبك منها
خليك أدارجي وطمنها
لا
تدور تلف شمال ويمين
يا هؤة داحنا المهنكرين
وإييييييييييييييه
¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|